عتـبــات النّصّ في حـدّث أبـو هريرة قال... المقدّمة والتّمهيد

رضا بن حميد

Résumé


تعدّ المقدّمة مكوّنا أساسيّا من مكوّنات العتبات. وإذا كان النـّـصّ قد حظي باهتمام الباحثين فإنّ خطاب المقدّمات لم ينل حظه بعد من الدّرس وإنعام النّظر إلا في ما ندر من أبحاث، رغم ما يمثـّله هذا الخطاب من أهمّية في علاقته بالنـّـصّ أو بفعل القراءة.

وقد ورد مصطلح المقدّمة متداخلا مع مصطلحات أخرى قريبة منه كالتـّمهيد والمدخل والفاتحة والبيان والإشارة والتـّوطئة بما تحمله من معاني التـّهيئة والتـّذليل وتسهيل القراءة. ومتى تتبّعنا المصطلحات المرادفة للمقدّمة، تبيّنا أنّ العرب استعملت منذ القديم مصطلح الخطبة[i].

وليس الـّـذيل والملحق في نظر جيرار جنيت إلا شكلين من أشكال المقدّمات. فهما يجسّدان لحظة معرفيّة تصل القارئ بالنـّـصّ، وتستدعي التـّفكير والمراجعة وتصحيح مسار القراءة، بعد اطـّلاع القارئ على النـّـصّ، ومعرفته بأهمّ جوانبه.

[i] - لئن لم يعرف الغرب خطاب المقدّمات إلا في القرن السّادس عشر، فإنّه ليس يخفى اهتمام العرب بهذا الخطاب ووعيها بوضعه واستراتيجياته ووظائفه. ومن المقدّمات الّتي تستوقف الدّارس مقدّمة نقد الشعر لقدامة بن جعفر (ت 337 هـ)، ومقدّمة الآمدي (ت 371 هـ) لكتاب الموازنة، ومقدّمات أبي العلاء المعرّي لأعماله الشّعريّة والنّثريّة وما تحويه من خطاب سجاليّ. بل إنّ المقدّمة قد تتحوّل إلى كتاب كما يظهر في مؤلف ابن خلدون كتاب العبر وديوان المبتدإ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر (1867، طبعة بولاق) الّذي تحوّلت فيه المقدّمة إلى مؤلّف بنى تصوّرا نظريّا لعلم العمران البشريّ.


Texte intégral :

PDF

Références


- لئن لم يعرف الغرب خطاب المقدّمات إلا في القرن السّادس عشر، فإنّه ليس يخفى اهتمام العرب بهذا الخطاب ووعيها بوضعه واستراتيجياته ووظائفه. ومن المقدّمات الّتي تستوقف الدّارس مقدّمة نقد الشعر لقدامة بن جعفر (ت 337 هـ)، ومقدّمة الآمدي (ت 371 هـ) لكتاب الموازنة، ومقدّمات أبي العلاء المعرّي لأعماله الشّعريّة والنّثريّة وما تحويه من خطاب سجاليّ. بل إنّ المقدّمة قد تتحوّل إلى كتاب كما يظهر في مؤلف ابن خلدون كتاب العبر وديوان المبتدإ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر (1867، طبعة بولاق) الّذي تحوّلت فيه المقدّمة إلى مؤلّف بنى تصوّرا نظريّا لعلم العمران البشريّ.

- Gérard Genette, Seuils, Ed. du Seuil, 1987, p150.

- Jacques Derrida, La dissémination, Paris, Ed. Du Seuil, 1972, p.p 25-26.

وهذا التّميّز بين المقدّمة والتّمهيد نراه أيضا لدى جان ماري شافير (J.M. Schaeffer) الـّذي يرى أنّ المقدّمة تحظى بوضع تواصلي يختلف عن التّمهيد، ذلك أنّ التّمهيد ينتمي إلى داخل الخطاب الفلسفيّ على خلاف المقدّمة الّتي تجيء قبل الخطاب الفلسفيّ، وهي بذلك تكون خارجة عنه. وفي التّمهيد يتكلّم الفيلسوف، أمّا في المقدّمة فإنّ مؤلّف الكتاب هو المتكلّم، وهو اسم وصوت من بين أصوات عدّة تتصارع في حقل المعرفة الفلسفيّ.

Jean Marie Schaeffer, Note sur la préface philosophique, In Poétique, n° 69 p.p 36-37.

- محمود المسعدي، حدّث أبو هريرة قال... ، تونس، دار الجنوب للنّشر، 1979.

- Jacques Derrida, Op.cit., p.p 38 – 39.

- Ibid, p.59.

- Henri Mittérand, Le discours du roman, Paris, P.U.F, 1980, p.12.

- Emile Benveniste, Problèmes de linguistique générale, Tome I, Paris, Ed. Gallimard, 1966, p242.

- يظهر هذا الجمع بين الصّيغتين - على سبيل المثال - في المقدّمة الثانية من رواية المؤامرة الموسومة بـ: ما قبل النّص، الخطيئة أو أسباب الفاتحة: (دنياكم، أيديكم، منكم ... اعلم سيّدي، أخيك، أجنّبك...) فرج الحوار، المؤامرة، سوسة، دار المعارف للطباعة والنّشر، 1992، ص 19 وص 30.

- Gérard Genette, op. cit, p183.

- أشار الباحث هنري ميتران إلى هذا الاختلاف في مؤلّفه الموسوم بـ: خطاب الرواية عندما تحدّث عن خطإ منهجي تسرّب إلى عمل جورج لوكاتش (Georges Lukacs)، (ت 1971)، باعتماده مقدّمة زولا لـرواياته روغان مـاركر أداة لتحليل الخطاب الروائيّ، على حين أنّ هنالك اختلافا بين المقدّم وصورة الرّوائي، بين عالمي نصّين يتعذّر مقابلة أحدهما بالآخر. فالأنا الكاتبة في النـّصّ الرّوائيّ مختلفة عن الأنا المقدّمة للنّصّ، أنا تسرد العالم، وأنا في المقدّمة تتحدّث عن سردها للعالم وليس كلاهما واحدا في نظر ميتران.

اُنظر، Henri Mitterand, op. cit, p33.

- G. Genette, op. cit, p166.

- يقول المويلحي: "وهذه الطّبعة الثـّالثة بعد نفاذ الطّبعة الثّانية تعهّدناها بما تقتضيه معاودة النّظر من إصلاح مواضع النّقص والإهمال، ومداركة ما لا يخلو منه كلّ عمل من شأنه السّهو والإغفال. وقد رأينا أن نقسّم الكتاب في هذه المرّة فصولا، ونجعل لكلّ فصل عنوانا خاصّا به مع تفسير الألفاظ اللـّغويّة في الصّحيفة نفسها لا في آخر الكتاب، كما كانت عليه الحال في الطّبعة الثّانيّة"، محمّد المويلحي : حديث عيسى بن هشام، بيروت، دار التراث، 1969، ص29.

- اُنظر، فرج الحوار : المؤامرة، ص ص 9-30.

- يقول مثقال طحيم الزّعل في مقدّمة الرواية: "هذه الأوراق – حسب اجتهادي الشّخصي – تشكّل رواية ولا تشكّل [….] اللغة فيها تتضارب، وإيقاع نبضها يتنافى، والوجوه تتّحد لتنفصل وتتحلّل لتعود، فتتّحد وتتشظّى" مؤنس الرّزار: أحياء في البحر الميّت، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، 1973، ص5.

-Jean Paul Sartre, Baudelaire, Paris, Gallimard, 2ème éd.. 1975, p.p 9-15.

- صدر كتاب مقدّمات سنة 2002 ، وكشف عن انشغال صاحبه بالأدب التّونسيّ من خلال محاورة أعمال علي الدّوعاجي وصالح القرمادي والطّاهر الهمّامي ورشاد الحمزاوي، وانشغاله بعيون النّصوص العربيّة المعاصرة، وهو ما برز في مقدّمات موسم الهجرة إلى الشّمال للطّيّب صالح، والوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل لإميل حبيبي، وصخب البحيرة لمحمّد البساطي، ومختارات قصصيّة لمهدي عيسى الصّقر، وموعد النّار لفؤاد التكرلي، ومختارات شعريّة لمحمود درويش.

وهذه المقدّمات بقدر ما تكشفت عن محاورة للنصوص وإرهاف السّماع لأسئلتها الملحّة وللقضايا الّتي تحملها في علاقتها بالمرجع الخارجيّ، فهي لا تخلو من ذاتية كاتبها وحسّه المرهف بالنّصوص، وبالكلمات الّتي تبني لها وجودا.

يُراجع توفيق بكّار: مقدّمات، تونس، دار الجنوب للنّشر 2002.

- حدّث أبو هريرة قال ...، مقدّمة الكاتب، ص 11.

- حدّث أبو هريرة قال ...، ص 143.

- المصدر نفسه، ص 143.

- حدّث أبو هريرة قال ...، ص 145.

- المصدر نفسه، ص 144.

- تعتبر المأساة مدخلا أساسيّا لفهم منزلة الشّخصيّة وأصالة تجربتها في عالم المسعدي. وتقترن بالألم والتّوتّر الدائم بين موجود ومنشود، بين قبول ورفض، بين محاورة للواقع ومحاولة تخطّيه في لحظة المحاورة وهذا المفهوم للأدب يظهر في المتمّم النّصّي الّذي يضيء جوانب من نصوص المبدع ورؤيته للأدب، فهو القائل في مجلّة المباحث "الأدب مأساة أو لا يكون، مأساة الإنسان يتردّد بين الألوهيّة والحيوانيّة، وتزفّ به في أوديّة الوجود عواصف آلام العجز والشّعور بالعجز : أمام القضاء، أمام الموت، أمام الحياة، أمام الغيب، أمام الآلهة، أمام نفسه..."، المباحث عدد12، 1945، وقد صدر هذا المقال أيضا بكتابه : "تأصيلا لكيان"، ص 21.

- Hans – Georg Gadamer, Vérité et méthode, Paris, Ed. du seuil, 1996, p.p 14-6-147.

- حدّث أبو هريرة قال ...، تمهيد، ص 15.

- يُراجع: محمّد العمري، الإيقاع تنظيرا وممارسة في أعمال محمود المسعدي، ضمن كتاب جماعيّ: محمود المسعدي بين الابداع والإيقاع، تونس، مؤسّسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع، 1997، ص135.

- العبارة لمحمّد القاضي، وقد وردت في إطار رصده مدى وعي المسعدي بمسألة الجنس الأدبيّ، وتجاوزه لهذه المقولة في أكثر من موضع في أعماله المختلفة، ممّا يجعل تحديد المسألة الأجناسيّة أمرا لا يخلو من صعوبة. ففي حدّث أبو هريرة قال... يفيد من الحديث شكلا فنّيا ويتّخذ الجزيرة العربيّة فضاءً للأحداث. وفي السّدّ يخرج المسعدي عن طرائق الخطاب المسرحيّ المألوفة عندما يؤنسن الجماد والحيوان ويجعل للسارد سلطة ومعرفة بالدّواخل من خلال استعمالاته التـّشبيه في وصفه لميارى، ويقدّم نصّا مقروءا أكثر منه مشاهدا. أماّ مولد النسيان فإنـّه يعقب بعبارة "وتأمّلات أخرى" الـّتي تأخذنا إلى مجال التـّأمّل النظريّ. ويرى القاضي أنّ كتابة المسعدي تنبني على جملة من الجدليات، كجدليّة الماضي والحاضر وجدليّة الشرق والغرب، وجدليّة النثر والشّعر. يُراجع : محمّد القاضي، الكتابة عند المسعدي ومسألة الأجناس، ضمن كتاب جماعي : محمود المسعدي بين الإبداع والإيقاع، ص 186 وما يليها.

- حدّث أبو هريرة قال ...، تمهيد، ص 15.

- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

- حدّث أبو هريرة قال ...، تمهيد، ص ص 15-16.

-Tiphaine Samoyault, L'intertextualité, Mémoire de la littérature, Paris, Ed. Nathan, 2001.

- أبو العتاهية، الدّيوان، بيروت، دار صادر، 1980، ص 250.

- الكتاب المقدّس، سفر التكوين، الإصحاح 2، القاهرة، طبعة مصر الجديدة، ط 5، 1994، الآيتان 16 و17.

- جاء في سفر التـّكوين: "ثمّ أوقَعَ الله آدَمَ في نَوْمٍ عميقٍ وتَنَاوَلَ ضِلْعًا من أضْلاعِهِ، وسَدَّ مَكَانَهَا باللّحمِ، وعَمِلَ من هذا الضلعِ امرأةً أحضَرَهَا لآدمَ" سفر التّكوين، الكتاب المقدّس، الإصحاح3، الآية 6، ص 3.

- تبدو الحجرات في مسرحيّة السدّ ناطقة، ترشّح أقوالها بأبعاد فلسفيّة حول البشر أحوالا وأوضاعا ورؤًى، وتثير قضيّة الفعل بوصفه وهما وغاية لا تدرك. ويصير البغل وإن لم يتكلّم إلا في مواضع محدودة من المنظرين الثاني والرّابع صوتا ظاهره غير متـّسق، وباطنه يدعو إلى التـّفكير وإنعام النّظر في المقول والبحث عن روابط تظهر انسجامه من وراء تفكّكه الظاهر.

يُراجع السدّ، الصّفحات 71- 85- 86- 87- 88- 91- 93- 94- 95.

- يراجع: السدّ، تونس، دار الجنوب للنشر 1992 عيون المعاصرة، تقديم توفق بكّار، الصفحات 71-85-86-93-94-95.

- يُراجع :Gilbert Durand, Les structures anthropologiques de l’imaginaire, Paris, Dunod, 11ème édition, 1992, p364.

- توفيق بكّار، أوجاع الإفاقة على التاريخ العاصف، حدّث أبوهريرة قال...، ص23

-Paul Beauchamp, L'un et l'autre Testament, Paris Ed. Seuil, 1990, p148

- لا يظهر مفهوم الصدق الموصول بالبحث عن الحقيقة في عتبة التّمهيد في حدّث أبوهريرة قال ... فحسب، وإنّما يظهر أيضا في مقدّمة المؤلّف للسدّ إذ يقول: "هذا كتاب أردته صدقًا لا يختلف فيه وجه الحقيقة في الوحدة والسرّ عن وجهها في الجماعة والعلن".

ويمتدّ حضوره إلى النّصّ، فيتواتر في ملفوظ ميمونة، ويجيء موصولا بالتّجرّد والعراء وبكلّ ما هو حقّ في نظرها.

يراجع السدّ، الصفحات 39-104-105.

- حدّث أبو هريرة قال ...، ص ص 11-12.

- حدّث أبو هريرة قال ...، ص 12.

- المصدر نفسه، ص 12.

- نفسه، ص 13.

- نفسه، ص 11.

- نفسه، ص16.

- حدّث أبو هريرة قال ...، ص13.

- المصدر نفسه، ص15.

- نفسه، ص15.

- يُراجع: محمّد العمري، الإيقاع تنظيرا وممارسة في أعمال محمود المسعدي، ضمن كتاب جماعي: محمود المسعدي بين الإبداع والإيقاع، ص 138.

- نلمس هذا الأثر العميق للقرآن في مختلف نصوص المسعدي كما نلمسه في عتبة الإهداء في حدّث أبو هريرة قال.... يقول: "إلى أبي رحمه الله، الّذي رتّلتُ معه صبَايَ على أنغام القرآن وترجيع الحديث، مما لم أكن أفهمه طفلا، ولكنّي صغت من إيقاعه منذ الصّغر لحن حياة - وربّاني على أنّ الوجود الكريم مغامرة طهارة، جزاؤها طمأنينة النّفس الرّضيّة في عالم أسمى فأسمى – وفي أثناء ذلك كلّه علّمني بإيمانه سبيل إيماني"، حدّث أبو هريرة قال ...، ص9.

- محمود المسعدي: الإيقاع في السّجع العربيّ، محاولة تحليل وتحديد، تونس، مؤسّسات بن عبد الله للنشر والتّوزيع، 1996. والكتاب في أصله رسالة دكتوراه دولة تقدّم بها صاحبها إلى جامعة الصربون تحت إشراف الأستاذ رجيس بلاشير (R. Blachère) سنة 1957. وبعد أن نشرها في نصّها الفرنسيّ سنة 1981عن مؤسّسات عبد الكريم بن عبد الله للنـّشر والتّوزيع، أقدم على تعريبها وتعهّدها بالتحيين إضافة وتعديلا وتوضيحا. وتنقسم هذه الرّسالة إلى بابين اثنين أولهما خصائص السّجع الخارجية، الّذي يتفرّع بدوره إلى فصلين، الأوّل بعنوان: الإيقاع العدديّ، والثّاني وُسم بـِ: القافية. والباب الثّاني البنية الداخليّة لفقرات السجع وينقسم بدوره إلى قسم أوّل: طرق البناء الإيقاعيّ يتوزّع على فصول أربعة وهي الموازنة، والموازنة والإيقاع العدديّ، والموازنة والإيقاع الجرسيّ والموازنة وإيقاع المدى. والقسم الثاني ورد بعنوان: طرق البناء النّحوي ولم يتضمّن فصولا فرعيّة. وفيه درس العلاقة القائمة بين أساليب التّنظيم الإيقاعيّ والتّراكيب النّحويّة وكيفيّة تضافر كليهما في تشكيل السّجع.


Renvois

  • Il n'y a présentement aucun renvoi.